صراع الموانئ والنفوذ: “السعودية” توقع اتفاقية تعاون عسكري مع الصومال

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 256
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

أثار اعتراف الكيان المحتل في ديسمبر/كانون الأول 2025 باستقلال أرض الصومال من جانب واحد توترًا ملحوظًا في العلاقات الإقليمية، خصوصًا لدى “السعودية” التي تنظر إلى وحدة الأراضي الصومالية باعتبارها مسألة تمس أمنها القومي مباشرة. فموقع الصومال الاستراتيجي عند مدخل خليج عدن والبحر الأحمر يجعل استقراره عنصرًا حاسمًا لأمن الممرات البحرية التي تمرّ عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية والطاقة المتجهة إلى أوروبا وآسيا. ومن هذا المنطلق، رأت الرياض في الخطوة الإسرائيلية تهديدًا يتجاوز البعد السياسي ليطال توازنات الأمن البحري في محيطها الحيوي. وحول هذا الملف، رأى تقرير لمركز الدراسات العربية في واشنطن بأن الرياض تخشى أن يؤدي الاعتراف الإسرائيلي إلى تشجيع نزعات انفصالية في المنطقة، وأن يشكل سابقة يمكن أن تُستثمر في بيئات هشة أخرى في العالمين العربي والإسلامي. كما زادت المخاوف مع تقارير عن خطط إسرائيلية محتملة لإقامة وجود عسكري أو الحصول على امتيازات مرفئية في أرض الصومال، وهو ما تعتبره الرياض اقترابًا مباشرًا من المجال الجغرافي لشبه الجزيرة العربية. وبعتبر النظام السعودي أن أي تموضع عسكري إسرائيلي على الضفة المقابلة للبحر الأحمر قد يغير موازين القوة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية عالميًا.   ردًا على ذلك، تحركت “السعودية سياسيًا وعسكريًا لدعم الحكومة الفدرالية في مقديشو، فحشدت موقفًا إقليميًا ودوليًا رافضًا للاعتراف، ثم وقعت في فبراير/شباط 2026 مذكرة تفاهم للتعاون العسكري مع الصومال تهدف إلى تعزيز التدريب وبناء القدرات والدعم الفني. ورغم أن الاتفاق لا يرقى إلى معاهدة دفاع مشترك، فإنه يحمل دلالة سياسية واضحة على التزام الرياض بتعزيز حضورها في القرن الأفريقي لموازنة النفوذ الإسرائيلي. تأتي هذه التطورات في سياق تحولات أوسع في إدراك التهديدات داخل الخليج. فبعد تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، باتت بعض العواصم الخليجية تعيد تقييم أولوياتها الأمنية، وبرزت قناعة متزايدة بأن التمدد الإسرائيلي قد يشكل خطرًا مباشرًا على الاستقرار الإقليمي. كما عززت ضربة إسرائيلية استهدفت قطر في سبتمبر/أيلول 2025 شعورًا خليجيًا بالهشاشة، وأثارت تساؤلات حول فعالية الضمانات الأمنية الأمريكية. وبحسب مركز الدراسات العربية في واشنطن، كشفت أزمة أرض الصومال عن تصدع متزايد في العلاقة بين “السعودية” والإمارات. فعلى الرغم من أن أبوظبي لم تعترف رسميًا باستقلال الإقليم، فإن امتناعها عن الانضمام إلى بيانات الإدانة العربية والإسلامية، إلى جانب استثماراتها الواسعة هناك بمعزل عن الحكومة المركزية، وضعها في موقع يُنظر إليه كداعم ضمني للانفصال. وردّت مقديشو بإلغاء اتفاقيات دفاع وأمن وتشغيل موانئ مع الإمارات، متهمةً إياها بتقويض السيادة الصومالية. هذا التباين يعكس خلافات أعمق بين الرياض وأبوظبي بشأن إدارة الملفات الإقليمية. ففي اليمن دعمت الإمارات قوى جنوبية ذات توجهات انفصالية، وفي السودان وُجهت إليها اتهامات بدعم قوات الدعم السريع. وأشار المركز، إلى أنه في مواجهة ما يُنظر إليه كمحور إماراتي–إسرائيلي، عززت “السعودية” تنسيقها مع مصر وقطر وتركيا. فمصر، المعنية مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، تتقاطع مصالحها مع الرياض في رفض أي ترتيبات قد تؤثر في استقرار الملاحة. كما أن التقارب الإماراتي–الإثيوبي، وما تردد عن تسهيلات لإثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر عبر أرض الصومال، زاد من حساسية القاهرة في ظل خلافها مع أديس أبابا بشأن سد النهضة. أما قطر، فقد أدانت الاعتراف الإسرائيلي وأبرمت اتفاق دفاع مع الصومال قبل الاتفاق السعودي. وتسعى الدوحة إلى دعم وحدة الصومال مع تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع الإمارات. من جانبها، تواصل تركيا دعمها للحكومة الصومالية المعترف بها دوليًا، مستندة إلى وجود عسكري ومؤسساتي قائم، ما يجعلها شريكًا مهمًا في أي ترتيبات أمنية تهدف إلى تعزيز سلطة مقديشو. في جوهره، يكشف ملف الصومال–أرض الصومال عن مرحلة جديدة من التنافس السعودي–الإماراتي، حيث لم يعد الخلاف تكتيكيًا أو محصورًا في تفاصيل ميدانية، بل بات يمسّ فلسفة إدارة النفوذ الإقليمي. “السعودية” تنطلق، بحسب المركز، من مقاربة تضع استقرار الدول المركزية ووحدة أراضيها في صلب رؤيتها للأمن، إدراكًا منها أن أي موجة تفكك جديدة في محيطها الجغرافي قد تنعكس مباشرة على أمنها الداخلي ومشاريعها الاقتصادية الكبرى. في المقابل، تتبنى الإمارات نهجًا أكثر مرونة يقوم على بناء شبكات نفوذ عبر فاعلين محليين، بما يمنحها أدوات تأثير سريعة في البيئات الهشة، حتى وإن أدى ذلك إلى توتير العلاقة مع الحكومات المركزية. ومع انتقال هذا التباين من اليمن والسودان إلى القرن الأفريقي، يتبلور صراع نفوذ صامت بين الرياض وأبوظبي على امتداد البحر الأحمر. فالتحركات الإماراتية في الموانئ وعلاقاتها مع كيانات انفصالية تُقرأ سعوديًا باعتبارها محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ البحري بمعزل عن التفاهمات التقليدية بين العاصمتين. وإذا استمر هذا المسار، فقد نشهد مزيدًا من إعادة الاصطفاف داخل الخليج نفسه، بما يحوّل البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى ساحة تنافس مباشر بين الحليفين السابقين، ويضع مستقبل تحالفهما الاستراتيجي أمام اختبار حقيقي في السنوات المقبلة.