السفيرة السعودية في واشنطن تعرب عن “أسفها” من عدم استكمال مسار التطبيع
سلّطت تقارير صحفية إسرائيلية الضوء على التطورات المرتبطة بمسار التطبيع المحتمل بين “السعودية” و”إسرائيل”، كاشفةً عن تباين في قراءة مستقبل هذا الملف بين المعطيات الدبلوماسية التي ظهرت في واشنطن مؤخرًا والتحليلات السياسية والاقتصادية التي تتناول حسابات الرياض الداخلية والإقليمية. وفي حين نقلت صحيفة إسرائيل هيوم تصريحات لافتة لسفيرة “السعودية” لدى الولايات المتحدة عبّرت فيها عن أسفها لتعثر مسار التطبيع قبل السابع من أكتوبر، قدّمت صحيفة معاريف قراءة أوسع تعتبر أن الظروف التي كانت تدفع نحو الاتفاق تغيّرت جذريًا. وبحسب ما أوردته إسرائيل هيوم، فإن سفيرة “السعودية” في واشنطن، ريما بنت بندر آل سعود، أعربت خلال عشاء “شبات” أُقيم في العاصمة الأميركية عن أسفها لعدم نجاح الجهود التي كانت تُبذل للوصول إلى اتفاق تطبيع بين الرياض وتل أبيب قبل اندلاع أحداث السابع من أكتوبر. وجاءت هذه التصريحات خلال فعالية حضرها دبلوماسيون ومسؤولون أميركيون وشخصيات بارزة من الجالية اليهودية. وأشارت الصحيفة إلى أن اللقاء استضافه الحاخام يهودا كابلون، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي لمكافحة معاداة السامية، داخل “معهد دونالد جي. ترامب للسلام”، حيث شارك ما بين أربعين وخمسة وأربعين مسؤولًا وشخصية سياسية، من بينهم الدكتورة ميريام أدلسون، ناشرة الصحيفة، إضافة إلى يوسف العتيبة، سفير دولة الإمارات لدى واشنطن. ووفق ما نقله كابلون، فقد أكدت السفيرة السعودية خلال النقاش أن الرياض وتل أبيب كانتا قريبتين من التوصل إلى اتفاق قبل أكتوبر، معتبرة أن هذا المسار كان ذا أهمية شخصية بالنسبة لها، وأن القيادة السياسية تتطلب قدرًا من الشجاعة والعمل على بناء ثقافة قائمة على الاحترام المتبادل. وتعكس هذه التصريحات، بحسب القراءة التي قدمتها الصحيفة، حجم الاتصالات السياسية التي كانت قد وصلت إلى مراحل متقدمة قبل أن تتوقف بفعل التطورات الإقليمية المرتبطة بالحرب في غزة. كما لفتت إسرائيل هيوم إلى أن المعهد الذي احتضن اللقاء كان قد استضاف سابقًا جلسة تأسيسية لما يسمى “مجلس السلام لغزة”، وهو إطار يناقش تصورات إعادة تأهيل القطاع بعد الحرب، في وقت تواصل فيه شخصيات أميركية مرتبطة بملف التطبيع إجراء لقاءات مع مسؤولين خليجيين، من بينهم وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن. وبحسب الصحيفة، ركزت هذه اللقاءات على تعزيز المناخ السياسي المرتبط بتوسيع “اتفاقات أبراهام”، إضافة إلى مناقشة ملفات مكافحة التطرف وخطاب الكراهية، في إطار جهود أميركية مستمرة لدفع مسار التسويات الإقليمية قدمًا رغم التعقيدات التي فرضتها الحرب الأخيرة. في المقابل، اعتبرت صحيفة معاريف أن مسار التطبيع لم يعد مجرد ملف مؤجل، بل أصبح محاطًا بشكوك عميقة نتيجة تغيّر موازين المصالح التي كانت تقوم عليها ما وُصف سابقًا بـ”الصفقة الكبرى”. وبحسب تحليل الصحيفة، فإن أحد أبرز التحولات تمثّل في حصول “السعودية” خلال أواخر عام 2025 على مكاسب استراتيجية مهمة من إدارة دونالد ترامب، شملت تصنيفها حليفًا رئيسيًا من خارج حلف الناتو، إلى جانب صفقة محتملة للحصول على مقاتلات F-35، فضلًا عن تقدم في التعاون النووي المدني. وترى معاريف أن هذه الخطوات جاءت دون ربط رسمي بالتطبيع مع “إسرائيل”، ما أدى إلى تراجع الحوافز التي كانت تدفع الرياض نحو إعلان اتفاق علني. ويربط التقرير الإسرائيلي بين هذا التحول وبين الضغوط الاقتصادية الداخلية التي تواجهها “القيادة السعودية” في إطار مشاريع “رؤية 2030”. إذ يشير إلى تقديرات تتحدث عن عجز مالي بعشرات المليارات من الدولارات في ظل بقاء أسعار النفط عند مستويات تقارب 65 دولارًا للبرميل، إضافة إلى تقليص طموحات بعض المشاريع الكبرى، وعلى رأسها مشروع “ذا لاين” ضمن مدينة نيوم. كما تحدثت الصحيفة عن عمليات إعادة هيكلة وتسريحات وظيفية، إلى جانب فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة لجذب الاستثمارات الأجنبية والتدفقات الفعلية التي تحققت على الأرض، معتبرة أن هذه الظروف تجعل أي خطوة سياسية حساسة –مثل التطبيع- أكثر تعقيدًا من الناحية الداخلية. وترى معاريف كذلك أن المزاج الشعبي في المنطقة بعد حرب غزة أصبح عاملًا مؤثرًا في الحسابات السياسية، مشيرة إلى استطلاعات رأي أظهرت انخفاض مستويات التأييد الشعبي للعلاقات مع “إسرائيل”، وهو ما قد يرفع الكلفة السياسية لأي اتفاق محتمل في الوقت الراهن. إقليميًا، يلفت التقرير إلى أن الرياض تسعى في الوقت نفسه إلى تنويع خياراتها الدفاعية والسياسية، بما في ذلك تعزيز التعاون مع قوى إقليمية مثل تركيا، وبحث صفقات تسليح مختلفة ضمن توجه أوسع نحو تحقيق ما وصفه التقرير بـ”الاستقلال الاستراتيجي” وتقليل الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة. كما اعتبرت الصحيفة أن انضمام “السعودية” إلى اتفاقات أبراهام قد لا يتوافق بالكامل مع طموح القيادة السعودية لقيادة مسار سياسي خاص بها في المنطقة. وبحسب هذا الطرح، فإن أي تطبيع مستقبلي محتمل قد يُربط بإطار مختلف يستند إلى المبادرة العربية للسلام وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. وتخلُص قراءة معاريف إلى أن قواعد التفاوض تغيّرت بصورة ملحوظة، إذ حصلت “السعودية” -وفق تقدير الصحيفة -على مكاسب استراتيجية مهمة من واشنطن دون تقديم خطوة مقابلة تجاه “إسرائيل”، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية الداخلية وتتبدل الحسابات الإقليمية، ما يجعل مسار التطبيع أقل إلحاحًا وأكثر حساسية سياسيًا مقارنة بما كان عليه قبل السابع من أكتوبر.

