تقرير تحليلي حول إعدام النساء في “السعودية”: من الحماية الهشة إلى النمط الممنهج للانتهاكات

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 315
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

أعدّت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان دراسة تحليلية موسعة بعنوان «إعدام النساء في السعودية: من الحماية الهشة إلى الممارسة الممنهجة»، تناولت فيها واقع تطبيق عقوبة الإعدام بحق النساء خلال الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2025، وهي مرحلة وصفتها الدراسة بالمفصلية على المستويين السياسي والقضائي في “السعودية”. وتسعى الدراسة إلى تفكيك التناقض القائم بين الخطاب الرسمي الذي يروّج لتحولات واسعة في أوضاع المرأة، وبين الممارسات القضائية المرتبطة بعقوبة الإعدام، والتي تشير ـ وفق التحليل ـ إلى استمرار أنماط خطيرة من الانتهاكات التي تمس الحق في الحياة وضمانات العدالة. منذ المقدمة، تضع الدراسة القضية ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل الصورة الدولية للكيان السعودي خلال العقد الأخير، خاصة مع التركيز الرسمي على سياسات التحديث وتمكين المرأة. إلا أن المعطيات التي جُمعت خلال سنوات الرصد تشير إلى اتجاه معاكس داخل منظومة العدالة الجنائية، حيث تواجه النساء، سواء المواطنات أو العاملات المهاجرات، انتهاكات تبدأ منذ لحظة الاعتقال والتحقيق، وتمتد إلى المحاكمة وتنتهي أحياناً بتنفيذ حكم الإعدام في ظروف تفتقر إلى الشفافية. وتوضح الدراسة أن أحد أبرز العوامل المرتبطة بهذه القضية يتمثل في واقع العاملات المنزليات المهاجرات، اللواتي يشكلن جزءاً أساسياً من سوق العمل داخل “السعودية”. إذ تشير البيانات الرسمية إلى وجود ملايين العمالة المنزلية الأجنبية، تشكل النساء نسبة كبيرة منها، يعملن ضمن بيئة مغلقة تعتمد بدرجة كبيرة على نظام الكفالة، وهو ما يزيد من هشاشة أوضاعهن القانونية والاجتماعية ويجعلهن أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات. ووفقاً للرصد الذي أجرته المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، بلغ عدد النساء اللواتي أُعدمْن خلال الفترة بين 2015 و2025 ما لا يقل عن 44 امرأة من جنسيات مختلفة. وتشير الدراسة إلى أن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى فقط، نظراً لغياب الشفافية وعدم نشر قوائم رسمية شاملة بالمحكومات بالإعدام أو تفاصيل إجراءات المحاكمة. وتكشف الأرقام عن تذبذب في معدلات التنفيذ خلال السنوات الأولى، قبل أن تشهد ارتفاعاً واضحاً في السنوات الأخيرة من الفترة محل الدراسة، حيث بلغ العدد ذروته في عام 2024 بتسع حالات إعدام، وهو أعلى رقم مسجل خلال العقد محل الرصد. وترى الدراسة أن هذا التصاعد الكمي ترافق أيضاً مع توسع نوعي في طبيعة التهم التي أفضت إلى الإعدام. ففي حين كانت غالبية الأحكام سابقاً مرتبطة بجرائم القتل، شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في تنفيذ الإعدام في قضايا مرتبطة بالمخدرات، وهو تطور اعتبرته الدراسة مؤشراً على توسع استخدام العقوبة خارج نطاق ما تصفه المعايير الدولية بـ”أشد الجرائم خطورة”. أحد الجوانب التي ركزت عليها الدراسة يتمثل في حالات إعدام لم يتم الإعلان عنها رسمياً عبر القنوات الحكومية المعتادة. فقد تم توثيق عدة حالات لنساء أُعدمْن دون بيانات رسمية، من بينهن عاملات مهاجرات من إندونيسيا ونيجيريا والفلبين. هذا الغياب للإعلان الرسمي يثير، بحسب التحليل، مخاوف جدية بشأن الشفافية وإمكانية وجود حالات أخرى لم يتم توثيقها أساساً. كما يعزز الشكوك حول وجود تمييز في طريقة نشر المعلومات المتعلقة بالإعدامات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأجانب. وتشير البيانات كذلك إلى أن النساء الأجنبيات شكّلن الغالبية الساحقة من الحالات الموثقة، إذ بلغ عددهن نحو ثلثي النساء اللواتي نُفذت بحقهن أحكام الإعدام خلال الفترة المدروسة، وهو ما يعكس ارتباط الظاهرة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية لسوق العمل والهجرة. أنماط التهم والأحكام القضائية توضح الدراسة أن نحو 79% من حالات الإعدام كانت مرتبطة بتهم القتل، بينما ارتبطت ثماني حالات على الأقل بجرائم مخدرات، إضافة إلى حالات أخرى شملت اتهامات مثل السحر أو الخطف. كما جرى تصنيف الأحكام ضمن ثلاثة أنماط رئيسية في النظام القضائي: الحدود، والقصاص، والتعزير. وتلفت الدراسة إلى أن الأحكام التعزيرية تمنح القضاة مساحة تقديرية واسعة، الأمر الذي قد يؤدي ـ وفق التحليل ـ إلى تفاوت كبير في الأحكام وإمكانية تأثرها بعوامل غير واضحة أو غير خاضعة للرقابة الكافية. وتبرز إشكالية أخرى تتعلق بآلية “الدية”، التي يفترض أن تتيح إمكانية العفو في قضايا القتل. إلا أن الدراسة تشير إلى أن المبالغ المطلوبة غالباً ما تكون مرتفعة للغاية، ما يجعل الاستفادة من هذا الخيار شبه مستحيلة بالنسبة للعاملات المهاجرات أو الأسر ذات الدخل المحدود، وهو ما يؤدي عملياً إلى تفاوت في فرص النجاة من تنفيذ الحكم. وتعرض الدراسة عدداً من القضايا الفردية التي اعتبرتها نماذج كاشفة لطبيعة الانتهاكات داخل النظام القضائي. ومن بين هذه القضايا حالة امرأة باكستانية أُعدمت في قضية مخدرات بعد اعتقالها فور وصولها لأداء العمرة، حيث أشارت المعلومات إلى عدم توفير مترجم أو محامٍ خلال المحاكمة. كما سلطت الدراسة الضوء على قضية عاملة منزلية إندونيسية قالت إنها قتلت مخدومها دفاعاً عن النفس بعد محاولة اعتداء جنسي، إلا أن الحكم بالإعدام نُفذ لاحقاً دون إخطار مسبق لعائلتها أو لحكومة بلدها. وفي حالات أخرى، أشارت الوقائع إلى فصل الأطفال عن أمهاتهم المحتجزات لفترات طويلة، وحرمان العائلات من معرفة مصير ذويهم أو أماكن دفنهم بعد تنفيذ الإعدام. ووفقاً للمنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، فإن هذه القضايا لا تمثل استثناءات فردية، بل تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات المرتبطة بحرمان المتهمات من ضمانات المحاكمة العادلة، مثل الوصول المبكر إلى محامٍ أو توفير الترجمة أو التواصل القنصلي. العوامل الاجتماعية خلف جرائم القتل تشير الدراسة أيضاً إلى أن العديد من قضايا القتل المرتبطة بالنساء وقعت ضمن سياقات اجتماعية معقدة، مثل العنف الأسري أو سوء المعاملة في بيئة العمل. ومع ذلك، نادراً ما يتم أخذ هذه الظروف المخففة بعين الاعتبار أثناء التحقيق أو إصدار الأحكام. وتستند الدراسة إلى أبحاث أكاديمية أظهرت أن نسبة كبيرة من النساء المتهمات بجرائم قتل كنّ ضحايا سابقات للعنف أو يعملن ضمن علاقات غير متكافئة من حيث السلطة، سواء داخل الأسرة أو في إطار العمل المنزلي المغلق. وترى الدراسة أن تجاهل هذه الخلفيات يحول النساء من ضحايا محتملات للعنف إلى متهمات يواجهن أقسى العقوبات الممكنة دون تقييم شامل للظروف المحيطة بالقضية. في بعض الحالات، تشير الدراسة إلى أن التهديد بعقوبة الإعدام تجاوز الإطار الجنائي ليطال قضايا ذات طابع سياسي أو حقوقي، كما في قضية ناشطات تمت محاكمتهن أمام المحكمة الجزائية المتخصصة المختصة بقضايا الإرهاب. وترى المنظمة الأوروبية السعودية أن استخدام عقوبة الإعدام أو التهديد بها في مثل هذه السياقات يثير مخاوف بشأن توظيفها كأداة ردع سياسي أو وسيلة للحد من النشاط الحقوقي والتعبير السلمي. قصور الحماية الدبلوماسية قسم مهم من الدراسة تناول دور الدول التي تنتمي إليها النساء المُعدَمات، حيث خلص التحليل إلى وجود ضعف واضح في التدخلات الدبلوماسية المبكرة. ففي كثير من الحالات، اقتصرت ردود الفعل على بيانات احتجاج صدرت بعد تنفيذ الإعدام، دون اتخاذ إجراءات ضغط فعالة أثناء مراحل المحاكمة. وتوضح الدراسة أن القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، يلزم السلطات بإبلاغ القنصليات عند اعتقال رعاياها، إلا أن عدة حالات أظهرت تأخر الإبلاغ أو حدوثه قبيل التنفيذ أو حتى بعده. كما تشير التجارب المقارنة إلى أن بعض الدول نجحت في تحسين حماية مواطنيها عبر تعليق إرسال العمالة أو فرض شروط اتفاقيات ثنائية، وهو ما اعتبرته الدراسة نموذجاً يمكن أن يسهم في تقليل المخاطر. الفجوة بين القانون والتطبيق رغم وجود بعض النصوص القانونية التي تنظم تنفيذ الإعدام بحق النساء، مثل تأجيل التنفيذ في حالات الحمل أو الرضاعة، تؤكد الدراسة وجود فجوة واضحة بين الإطار القانوني والممارسة الفعلية. فلا توجد بيانات رسمية منشورة حول عدد النساء المحكومات بالإعدام أو ظروف احتجازهن، كما تواجه المتهمات صعوبات في الوصول إلى محامين أو مترجمين، إضافة إلى محدودية التواصل مع العائلات. كما أشارت ملاحظات لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة التابعة للأمم المتحدة إلى مخاوف تتعلق بعدم أخذ العوامل المرتبطة بالنوع الاجتماعي بعين الاعتبار أثناء المحاكمات، وغياب قاضيات داخل المنظومة القضائية، وهو ما يؤثر على حساسية النظام تجاه قضايا النساء. خلاصة الدراسة في ختام تحليلها، ترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن إعدام النساء في “السعودية” لا يمكن اعتباره ظاهرة معزولة، بل نتيجة بنية قانونية وأمنية تسمح بتراكم الانتهاكات في ظل غياب الشفافية والرقابة المستقلة. وتشير النتائج إلى أن العاملات المهاجرات يتحملن العبء الأكبر من هذه الممارسات، في ظل ضعف التمثيل القانوني وصعوبة الوصول إلى الدعم الدبلوماسي أو المالي. كما أن توسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام ليشمل جرائم لا تندرج ضمن أخطر الجرائم وفق المعايير الدولية يزيد من خطورة الوضع. وتخلص الدراسة إلى أن معالجة هذه القضية تتطلب خطوات متعددة تشمل تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وتحسين الشفافية، وضمان الإخطار القنصلي، إضافة إلى مراجعة استخدام عقوبة الإعدام نفسها، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالمخدرات أو الظروف الاجتماعية المعقدة. وفي المحصلة، يقدم هذا التحليل صورة شاملة عن منظومة عدالة تواجه انتقادات متزايدة فيما يتعلق بالتعامل مع النساء المحكومات بالإعدام، ويطرح تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين الخطاب الإصلاحي المعلن والواقع القضائي الذي تكشفه الوقائع الموثقة خلال العقد الأخير.