نيويورك تايمز: حرب الخليج قد تمتد إلى الاقتصاد الأميركي
حذّرت صحيفة “نيويورك تايمز” من أن تداعيات الحرب الدائرة في الخليج بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران قد لا تبقى محصورة في الشرق الأوسط، بل قد تمتد تدريجياً إلى الاقتصاد الأميركي نفسه، عبر مجموعة من القنوات التي تشمل الطاقة والتجارة والأسواق المالية. وتشير الصحيفة إلى أن التاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة يظهر أن ثلاثة أنواع من الأحداث كانت غالباً ما تدفع الاقتصاد إلى الركود: الأزمات المالية، وصدمات أسعار النفط، والأوبئة. وبحسب تحليلها، فإن المواجهة العسكرية الحالية في الخليج تسببت بالفعل في صدمة نفطية، فيما لا يستبعد أن تؤدي التطورات اللاحقة إلى اضطرابات مالية أوسع إذا استمر التصعيد. وترى “نيويورك تايمز” أن مسار التأثير الاقتصادي سيعتمد إلى حد كبير على مدة الحرب وحدتها. فمع اتساع الضربات العسكرية إلى ما هو أبعد من الأراضي الإيرانية، بدأت مظاهر الاضطراب تظهر في المنطقة، مع تعطّل بعض المطارات وتضرر منشآت صناعية في أنحاء من الشرق الأوسط. وتوضح الصحيفة أنه إذا جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار سريعاً، فقد تعود تدفقات التجارة إلى طبيعتها خلال فترة قصيرة نسبياً. أما إذا استمرت العمليات العسكرية لأسابيع أو حتى أشهر فقد تصبح الكلفة الاقتصادية أكبر بكثير، بما في ذلك ارتفاع الأعباء على دافعي الضرائب في الولايات المتحدة.اضطراب إمدادات النفط اضطراب إمدادات النفط تقول “نيويورك تايمز” إن أحد أبرز التأثيرات الفورية للحرب ظهر في سوق الطاقة العالمية. ففي الأيام الأولى بعد اندلاع القتال، توقفت ناقلات النفط عن دخول مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران، وهو ممر بحري يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط في العالم. ووفق بيانات نشرتها مجلة “لويدز ليست”، علقت نحو 200 سفينة في منطقة الخليج، بينما ارتفعت تكاليف شحن النفط بشكل حاد. كما تعرضت منشآت طاقة في المنطقة لهجمات بطائرات مسيّرة، من بينها أكبر مصفاة نفط في السعودية وأكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر، ما أدى إلى توقفهما مؤقتاً عن العمل. وقد انعكس هذا الاضطراب سريعاً على الأسعار العالمية. فبحسب “نيويورك تايمز”، ارتفعت أسعار النفط بنحو 15 في المئة منذ بدء القتال لتصل إلى نحو 83 دولاراً للبرميل وفق المؤشر العالمي للخام. كما ارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى أكثر من 4 دولارات للغالون، وهو أعلى مستوى منذ نهاية عام 2023، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية (AAA). كذلك صعد متوسط سعر البنزين إلى نحو 3.25 دولار للغالون مقارنة بنحو 2.99 دولار قبل أسبوع واحد فقط، وفق موقع GasBuddy المتخصص في تتبع أسعار الوقود. وترى الصحيفة أن أسعار النفط قد تبقى مرتفعة حتى لو توقفت الحرب قريباً. فقد توقع بنك “غولدمان ساكس” استمرار الضغوط الصعودية على أسعار الطاقة خلال بقية العام، بينما قد يصل سعر البرميل إلى نحو 100 دولار إذا بقي مضيق هرمز مغلقاً لعدة أسابيع. تأثيرات التضخم والإنفاق مع ذلك، تشير “نيويورك تايمز” إلى أن الاقتصاد الأميركي لم يعد يعتمد على النفط كما كان الحال في سبعينيات القرن الماضي، عندما أدى اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط إلى أزمة وقود حادة وارتفاع التضخم وظهور طوابير طويلة أمام محطات الوقود. فاليوم يعتمد الاقتصاد الأميركي بدرجة أكبر على مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية، إضافة إلى طفرة إنتاج النفط الصخري التي جعلت الولايات المتحدة مصدّراً صافياً للطاقة. وقد بدأت بعض شركات الغاز الأميركية بالفعل في الاستفادة من ارتفاع الأسعار. لكن رغم ذلك، فإن ارتفاع أسعار الوقود قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما قد يقلل من فرص قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة. وتوضح الصحيفة أن الشركات الصغيرة غالباً ما تكون الأكثر عرضة لتقلبات أسعار الطاقة، لأنها لا تمتلك القدرة المالية على شراء عقود تحوط طويلة الأجل لحماية نفسها من هذه التقلبات. وفي هذا السياق قال كريس هودج، كبير الاقتصاديين الأميركيين في بنك Natixis للاستثمار، إن الشركات الصناعية عادة ما تقوم بالتحوط ضد تقلبات أسعار الطاقة، مشيراً إلى أن كلفة هذا التحوط قد ترتفع قليلاً لكنها على الأرجح لن تعطل خطط الإنفاق الرأسمالي. أما بالنسبة للمستهلكين، فتوضح “نيويورك تايمز” أن الأسر ذات الدخل المنخفض تنفق نسبة أكبر من دخلها على الوقود. ومع ارتفاع سعر البنزين، يبدأ كثير من هؤلاء في تقليص إنفاقهم على سلع وخدمات أخرى. وتشير البيانات إلى أن معدل الادخار الشخصي في الولايات المتحدة انخفض إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات، في وقت ارتفعت فيه معدلات التعثر في سداد بطاقات الائتمان وقروض السيارات إلى مستويات لم تُسجل منذ الأزمة المالية العالمية. ويرى مايكل غونتر، نائب رئيس الأبحاث في شركة Consumer Edge المتخصصة في تحليل بيانات بطاقات الائتمان، أن المتاجر والمطاعم التي تعتمد على الزبائن من ذوي الدخل المنخفض ستكون الأكثر تأثراً، إضافة إلى سكان الضواحي الذين يعتمدون بشكل كبير على السيارات في تنقلاتهم اليومية. كما يتوقع غونتر أن يتسع الفارق في أنماط الإنفاق بين الأسر ذات الدخل المرتفع وتلك ذات الدخل المنخفض، كما حدث في عام 2022 عندما تجاوز معدل التضخم في الولايات المتحدة 9 في المئة. اضطرابات في التجارة العالمية وتشير “نيويورك تايمز” إلى أن مضيق هرمز ليس ممراً رئيسياً لمعظم السلع العالمية باستثناء النفط. ومع ذلك، فإن تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة يزيد من تعقيد حركة التجارة. وكانت شركات الشحن قد بدأت بالفعل في تجنب المرور عبر قناة السويس خلال السنوات الماضية بسبب مخاطر الهجمات التي شنها الحوثيون في البحر الأحمر، ما دفع كثيراً من السفن إلى سلوك طرق أطول حول أفريقيا. وكتب سيمون ماكآدم، نائب كبير الاقتصاديين العالميين في شركة Capital Economics، في مذكرة نقلتها الصحيفة، أن الصراع الحالي قد لا يؤدي إلى تغيير جذري جديد في مسارات الشحن، لكنه سيؤجل خطط شركات النقل البحري للعودة إلى طريق قناة السويس في وقت لاحق من هذا العام. ويأتي ذلك في وقت حساس بالنسبة للشركات الأميركية التي تستورد السلع الاستهلاكية، إذ تبدأ عادة في شراء المواد الخام والبضائع استعداداً لموسم التسوق الكبير في نهاية العام خلال عيد الميلاد. وقال ديفيد واريك، نائب الرئيس التنفيذي في شركة Overhaul المتخصصة في إدارة سلاسل الإمداد، إن الحرب تضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى قرارات المستوردين، خاصة في ظل التعقيدات المرتبطة بالرسوم الجمركية التي أعاد الرئيس ترامب تعديلها مؤخراً. وأوضح أن الفترة الحالية تشكل نافذة زمنية ضيقة يمكن خلالها لأي اضطراب كبير أن يؤثر بشكل واضح على موسم التسوق في العطلات. مخاطر إضافية على الاقتصاد الأميركي وترى “نيويورك تايمز” أن توقيت الحرب يزيد من حساسية الاقتصاد الأميركي للصدمات. فالولايات المتحدة تعاني بالفعل من مستويات مرتفعة من الدين العام، كما أن النمو الاقتصادي أصبح يعتمد بشكل كبير على قطاع التكنولوجيا المتقدمة. ورغم سنوات من النمو وانخفاض معدلات البطالة، فإن التخفيضات الضريبية الكبيرة والإنفاق الضخم خلال جائحة كورونا أبقيا الدين الفيدرالي عند مستويات تاريخية مرتفعة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. كما أدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة كلفة خدمة هذا الدين بشكل كبير. ومن التطورات اللافتة، بحسب الصحيفة، أن بعض المستثمرين بدأوا ببيع سندات الخزانة الأميركية بعد اندلاع الحرب، بدلاً من التوجه إليها كملاذ آمن كما يحدث عادة في أوقات الأزمات العالمية. وفي هذا السياق قال ديزموند لاكمان، الباحث في معهد American Enterprise Institute، إن بعض المستثمرين الأجانب بدأوا يشككون في موثوقية الولايات المتحدة كمقترض، مشيراً إلى أن أي حرب طويلة قد تتطلب إنفاقاً دفاعياً إضافياً يزيد من الضغوط على المالية العامة. وفي الوقت نفسه، يعتمد جزء كبير من النمو الاقتصادي الأميركي حالياً على الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه الاستثمارات معدات متطورة يتم نقل كثير منها من آسيا عبر طرق تجارية قد تصبح أكثر خطورة وتكلفة بسبب التوترات الجيوسياسية. وتحذر “نيويورك تايمز” من أن فقدان المستثمرين الثقة في قدرة عدد محدود من شركات التكنولوجيا الكبرى على تحقيق العوائد المتوقعة قد يؤدي إلى هزة في أسواق الأسهم، التي أصبحت شديدة التركّز في أسهم هذه الشركات. وبما أن ارتفاع سوق الأسهم كان عاملاً مهماً في دعم الإنفاق الاستهلاكي خلال الأشهر الماضية، فإن أي تراجع حاد قد ينعكس سريعاً على الاقتصاد الحقيقي من خلال انخفاض الاستهلاك وزيادة تسريحات العمال. ويخلص لاكمان إلى أن اجتماع هذه العوامل معاً — الحرب وارتفاع أسعار الطاقة والديون المرتفعة وحساسية الأسواق — قد يخلق مخاطر اقتصادية حقيقية للولايات المتحدة إذا استمر الصراع لفترة طويلة.

