العمال الوافدون في الخليج بين الرقابة والخوف.. تقرير حقوقي يكشف تداعيات الحرب الإقليمية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 58
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

حذّر تقرير حقوقي مشترك صادر عن “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” من تصاعد الضغوط التي يواجهها العمال الوافدون في دول الخليج على خلفية النزاع الإقليمي، مشيرا إلى أن إجراءات المراقبة المشددة والتفتيش والاعتقالات المرتبطة بالتعبير عن الرأي أو تداول المعلومات خلقت بيئة يسودها الخوف والرقابة الذاتية، وأضعفت قدرة العمال على التحدث عن الانتهاكات التي يتعرضون لها أو المطالبة بحقوقهم. ورصد التقرير، استنادا إلى مقابلات مع عشرات العمال الوافدين وقادة الجاليات العمالية في عدد من دول الخليج، اتساع نطاق القيود المفروضة على حرية التعبير خلال الأشهر الأخيرة، في ظل بيئة تفرض أساسا قيودا صارمة على العمل النقابي والتنظيم العمالي، ما جعل العمال الوافدين أكثر عرضة للتهميش والانتهاكات في أوقات الأزمات. وقالت “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” إن حكومات دول مجلس التعاون الخليجي الست شددت القيود على حقوق حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي وسط النزاع المستمر والاضطرابات الاقتصادية. وأكد التقرير أن هذه الإجراءات الأخيرة فاقمت القيود الحالية على قدرة العمال الوافدين على إثارة المخاوف بشأن ظروف العمل في بيئة هي أصلا قمعية تجاه العمال الوافدين والنقابات العمالية. واعتبر مايكل بَيْج، نائب مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، أن: “أدى النزاع في منطقة الخليج إلى مستوى جديد من مراقبة اتصالات العمال الوافدين، ما يقوض قدرتهم على إثارة المخاوف بشأن انتهاكات حقوق العمال وظروف العمل الخطرة. خلقت الاعتقالات ووابل التحذيرات الحكومية مناخا من الخوف يدفع العمال الوافدين إلى الرقابة الذاتية على اتصالاتهم الخاصة وكذلك على الإنترنت”. وأوضح التقرير أن هيومن رايتس ووتش أجرت في مارس/آذار 2026 مقابلات مع 38 عاملا وافدا من الهند ونيبال وبنغلاديش يعملون في الإمارات والبحرين و”السعودية” وعمان وقطر والكويت، وذلك للوقوف على تأثير النزاع المسلح في المنطقة على أمنهم الجسدي والاقتصادي. وأشار إلى أن العديد من العمال أعربوا عن قلقهم إزاء قدرتهم على التحدث علنا مع منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام بشأن المشكلات التي يواجهونها، حتى في الحالات التي تُضمن فيها سرية هوياتهم. كما أجرت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش خلال أبريل/نيسان مقابلات مع 15 شخصا من العمال الوافدين وقادة جاليات العمال في الإمارات والبحرين وقطر والكويت، ينحدرون من بنغلاديش وغانا والفلبين وكينيا ونيبال والهند. وشملت هذه المقابلات متابعات مع خمسة عمال سبق أن تمت مقابلتهم في مارس/آذار.ووفقا للتقرير، شددت دول الخليج قبضتها على حرية التعبير خلال النزاع الإقليمي. ففي مايو/أيار، وثّقت منظمة العفو الدولية اعتقال دول مجلس التعاون الخليجي لأكثر من ألف شخص ضمن حملة هدفت إلى منع تداول المعلومات المتعلقة بالنزاع، بما يشمل مشاركة المحتوى عبر الإنترنت أو التعبير عن آراء مرتبطة بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران والهجمات الإيرانية على دول الخليج. وأضاف التقرير أن حكومات دول مجلس التعاون وسفاراتها وأصحاب العمل أصدروا تحذيرات متكررة من “نشر الشائعات” أو مشاركة محتوى متعلق بالنزاع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما ساهم في تعزيز مناخ الخوف والرقابة الذاتية بين العمال الوافدين. ونقل التقرير عن العديد من العمال الوافدين وقادة الجاليات الذين قابلتهم المنظمتان، بمن فيهم مقيمون في الإمارات والبحرين وقطر والكويت، وصفهم لعمليات تفتيش عشوائية أجرتها الشرطة لهواتف المقيمين خلال فترة النزاع. وأفاد عامل في مطعم بالكويت للمنظمتين أن الشرطة فتشت هاتفه بشكل عشوائي أثناء تنقله في أبريل/نيسان 2026، إلى جانب هواتف عمال آخرين. وقال إن بعض الأشخاص تعرضوا لغرامات تصل إلى ألف دينار كويتي، بل وسُجنوا بسبب وجود فيديوهات أو صور للهجمات على هواتفهم. وأضاف: “راتبي لا يتجاوز 150 دينار كويتي [485 دولار] شهريا. أنا لا أنشر أي شيء”. كما وصف أحد قادة جاليات الوافدين في قطر عمليات تفتيش روتينية بحثا عن صور أو فيديوهات مرتبطة بمواقع الهجمات، فيما أبلغ عامل مقيم في الإمارات المنظمتين أن الشرطة تتصفح الهواتف خلال عمليات التفتيش العشوائية. وقال عامل من بنغلاديش للمنظمتين في أبريل/نيسان: “قالت لنا الشركة ألا ننشر أي شيء على وسائل التواصل الاجتماع. قالت الشركة إنه، إذا ضبطتنا الشرطة، فلن تتحمل المسؤولية… الناس خائفون حتى من التعبير عن آرائهم. إذا لم توفر الشركة العمل، ينبغي ألا يخاف الناس من قول ذلك”.كما أفاد عامل من نيبال بأن شركته حذرته قبل مغادرته الإمارات لقضاء إجازته من ضرورة حذف جميع الفيديوهات والصور من هاتفه. وأشار التقرير إلى أن مناخ الخوف هذا بات يعرقل أيضا قدرة منظمات حقوق الإنسان على إجراء البحوث الميدانية. وقال وافد مقيم في قطر للمنظمتين: “قبل أن أقول أي شيء آخر، أريدكم [في إشارة إلى باحث هيومن رايتس ووتش] أن تفهموا شيئا. التحدث إليكم هكذا -حتى هذه المحادثة- يخيفني. في قطر حاليا، ينطوي تبادل المعلومات على مخاطر جسيمة. الناس يُعتقلون. اعتقلوا أشخاصا لمجرد حفظ فيديوهات معينة على هواتفهم”. كما نقل التقرير عن صحفي يتابع قضايا حقوق الوافدين في الخليج منذ سنوات حديثه عن التحديات المتزايدة التي يواجهها في عمله. وقال: “في الأوقات العادية، تعتمد المقابلات على إحالات من عمال موثوق بهم. لكن هذه المرة، يخشى الأشخاص الذين يقومون بالإحالات القيام بذلك، والضحايا غير راغبين في التحدث رغم حاجتهم إلى المساعدة. رفض ثلاثة عمال مقيمين في البحرين أحالهم إليّ صديقي، وهم لا يتقاضون رواتبهم، التحدث معي اليوم، حتى في ظروف لا تكشف عن هويتهم”. كما وجدت منظمة العفو الدولية أن بعض العمال الوافدين باتوا أقل استعدادا لإحالة أصدقائهم أو زملائهم للتحدث إلى الباحثين. ولفت التقرير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي بررت هذه القيود بضرورات الأمن القومي ومكافحة المعلومات المضللة، فيما أقر بعض العمال بأن بعض الإجراءات قد تساعد في الحد من الذعر أو الأخبار المضللة. لكنه شدد على أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يشترط أن تكون القيود على حرية التعبير محددة بالقانون وضرورية ومتناسبة مع أهداف مشروعة ومحددة. كما أشار إلى أن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أكدت في تعليقها العام رقم 34 أن القيود على تبادل المعلومات يجب ألا تهدد الحق ذاته وأن تبقى استثنائية. ورأى العديد من العمال الذين قابلتهم المنظمتان أن الرقابة والمراقبة المشددة من قبل حكومات الخليج وأصحاب العمل تهدف إلى حماية صورة هذه الدول واقتصاداتها التي استثمرت بكثافة في تحسين صورتها الدولية. وذكّر التقرير بأبحاث سابقة أجرتها هيومن رايتس ووتش حول أنشطة “غسل السمعة” التي تنفذها بعض دول الخليج لصرف الانتباه عن انتهاكات حقوق الإنسان. وقال عامل وافد في الإمارات للمنظمتين: “أعتقد أنهم لا يريدوننا أن ننشر أي شيء لأن الناس قد يتوقفون عن القدوم إلى الإمارات”.كما نقل التقرير عن ناشط في مجال حقوق العمال قوله: “تحاول حكومات الخليج إظهار صورة من الاستقرار، متظاهرة بأن كل شيء على ما يرام… وفي محاولة يائسة لتجنب أي انطباع بوجود أزمة والتأثير الذي قد يحدثه ذلك على الأسواق والاستثمار والاقتصاد، تقمع السلطات المعارضة على نطاق واسع. يتحمل العمال الوافدون ثمن هذا القمع بشدة، حيث يسود جو من الخوف ويخنق العمل النقابي المحدود أصلا وأنشطة حقوق العمال في هذه البلدان”. وأشار التقرير إلى أن الانتهاكات بحق العمال الوافدين تتفاقم بسبب المنع المنهجي لحقهم في التنظيم النقابي. فالنقابات العمالية إما محظورة أو تستبعد العمال الوافدين أو تخضع لقيود تجعلها شبه عديمة الفاعلية. وفي ظل غياب قنوات آمنة وفعالة لتقديم الشكاوى، يضطر بعض العمال إلى الإضراب رغم مخاطر الانتقام من أصحاب العمل أو التعرض للاعتقال والاحتجاز والترحيل.وأضاف أن هذا القمع يمتد إلى ما وراء حدود دول الخليج. ففي يناير/كانون الثاني 2026، طلبت “السعودية” من الهيئة الإدارية لـ”منظمة العمل الدولية” إغلاق شكوى مقدمة ضدها بموجب المادة 26 من قبل مجموعات نقابية أفريقية. وذكر التقرير أن السلطات السعودية أوردت اسم أحد قادة النقابات العمالية الأفريقية في ردها الرسمي، ما عرض للخطر أشخاصا ينظمون أنفسهم للدفاع عن حقوق العمال الوافدين. كما أشار إلى أن السلطات السعودية تجاهلت شهادات ضحايا قُدمت دون الكشف عن هوياتهم بهدف حمايتهم. وأوضح التقرير أنه في ظل غياب النقابات الرسمية، تؤدي الشبكات غير الرسمية ومجموعات الوافدين دورا رئيسيا في تبادل المعلومات وتقديم الدعم الإنساني، إلا أن نطاق عمل هذه المجموعات وإمكاناتها يظلان محدودين. ونقل التقرير عن أحد قادة النقابات العمالية في البحرين قوله لمنظمة العفو الدولية إن الحظر الشامل الذي فرضته الحكومة مؤخرا على التجمعات العامة في الطرقات والساحات، ردا على الهجمات الصاروخية، أعاق جهود المجتمع “لتوفير المساعدات الغذائية العاجلة للعمال الوافدين الذين أُجبروا على أخذ إجازة غير مدفوعة الأجر أو خفّضت أجورهم”. وأكدت المنظمتان أن الحكومات تتحمل خلال أوقات الحرب مسؤولية اتخاذ تدابير لحماية السلامة العامة، إلا أن هذه التدابير يجب ألا تتحول إلى قيود غير ضرورية أو غير متناسبة على حرية التعبير والتجمع السلمي. واختتمت كريستين بيكرلي، نائبة المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالقول: “ينبغي ألا يُستخدم النزاع ذريعة لمزيد من التضييق على الفضاء المدني وقمع قدرة العمال الوافدين على التعبير بحرية والتنظيم. مع أن القيود غير المبررة على النقابات وحرية التعبير في المنطقة تسبق هذا النزاع بفترة طويلة، فإن تأثيرها تضخم بشكل حاد في السياق الحالي، ما يعمق اختلالات توازن القوى ويعرّض العمال الوافدين لمزيد من الأذى. ينبغي لدول الخليج ضمان قدرة جميع العمال على الإبلاغ علنا عن المشاكل التي يواجهونها وتوفير تدابير الحماية الاجتماعية العاجلة”.