ماذر جونز: كيف تحولت علاقة جاريد كوشنر بمحمد بن سلمان وحكام الخليج إلى شبكة نفوذ ومال عابرة للحدود؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 20
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

سلّطت مجلة ماذر جونز الأمريكية الضوء في تحقيق مطول على العلاقة التي نسجها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق، مع عدد من حكام الخليج، وعلى رأسهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، معتبرة أن هذه العلاقة تمثل واحدة من أكثر حالات تداخل المصالح السياسية والمالية إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث. وتضع المجلة “السعودية” في قلب هذه القصة، إذ ترى أن الدعم المالي الضخم الذي حصل عليه كوشنر من الرياض بعد خروجه من البيت الأبيض لم يكن مجرد استثمار اقتصادي عادي، بل جاء نتيجة علاقة شخصية وسياسية متينة تطورت خلال سنوات عمله في إدارة ترامب، وأتاحت لمحمد بن سلمان امتلاك قناة نفوذ استثنائية داخل دوائر الحكم الأمريكية. بحسب التحقيق، أطلق كوشنر في عام 2021 صندوقه الاستثماري “أفينيتي بارتنرز” بعد يوم واحد فقط من تنصيب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة. وكان الصندوق يفتقر، وفق ما نقلته المجلة، إلى الخبرة والسجل الاستثماري المقنع، كما أن العرض التقديمي الذي قُدم للمستثمرين وُصف من قبل بعض المطلعين بأنه بدائي إلى درجة أثارت السخرية. ورغم ذلك، سعى الصندوق للحصول على مئات الملايين من الدولارات من المستثمرين الأمريكيين ومن صندوق الثروة السيادي السعودي. وتقول المجلة إن الجهات السعودية المختصة التي درست المشروع أصدرت تقييماً سلبياً للغاية، معتبرة أن عمليات الصندوق “غير مرضية من جميع النواحي”، وأن فريق الإدارة يفتقر إلى الخبرة اللازمة، فضلاً عن وجود مخاطر تتعلق بالسمعة العامة.لكن تلك التحفظات لم تمنع إتمام الصفقة. فبحسب التحقيق، تدخّل محمد بن سلمان شخصياً وألغى توصيات مستشاريه، ليمنح كوشنر تمويلاً أولياً بقيمة ملياري دولار، مع إمكانية ضخ المزيد من الأموال لاحقاً. وتعتبر المجلة أن قرار ولي العهد السعودي لم يكن قائماً على اعتبارات استثمارية بحتة، بل على قناعة بأن كوشنر يمثل أصلاً سياسياً مهماً يمكن الاستفادة منه مستقبلاً. فالرجل الذي كان يتمتع بنفوذ واسع داخل إدارة ترامب، ويمكن أن يعود إلى الواجهة إذا عاد ترامب إلى السلطة، بدا بالنسبة لمحمد بن سلمان استثماراً استراتيجياً أكثر منه استثماراً مالياً. ويذهب التقرير إلى أبعد من ذلك، إذ يصور العلاقة بين الطرفين باعتبارها نموذجاً لكيفية توظيف الأنظمة السلطوية للمال من أجل بناء شبكات نفوذ داخل الولايات المتحدة. فـ”السعودية”، بحسب المجلة، لم تكن ترى في كوشنر مجرد مدير صندوق استثماري، بل شخصية قادرة على التأثير في السياسات الأمريكية مستقبلاً. وتربط المجلة بين هذا التمويل الضخم وبين عودة كوشنر لاحقاً إلى لعب أدوار مؤثرة في ملفات السياسة الخارجية الأمريكية خلال ولاية ترامب الثانية. فالرجل الذي أكد سابقاً أنه لن يكون جزءاً أساسياً من الإدارة عاد ليتولى ملفات حساسة تتعلق بغزة وأوكرانيا وإيران، في وقت كانت مصالحه المالية مرتبطة بشكل مباشر بدول وحكومات لها مصالح كبرى في هذه الملفات. وتشير المجلة إلى أن محمد بن سلمان كان قد بنى علاقة وثيقة مع كوشنر منذ الولاية الأولى لترامب. ووفقاً لما أوردته، كان الطرفان يتبادلان الرسائل بصورة متكررة، كما أجرى كوشنر زيارات غير معلنة إلى الرياض لعقد لقاءات خاصة مع ولي العهد. وتستشهد المجلة بتقارير سابقة تحدثت عن أن المسؤولين السعوديين نظروا إلى كوشنر باعتباره شخصية تفتقر إلى الخبرة العميقة في شؤون الشرق الأوسط، ما جعله، من وجهة نظرهم، هدفاً سهلاً للتأثير. كما تشير إلى تقارير أفادت بأن محمد بن سلمان تفاخر في مرحلة ما بأنه يملك نفوذاً كبيراً على كوشنر. وبحسب التحقيق، أثارت هذه العلاقة قلقاً داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية، خصوصاً مع تزايد الاتصالات الخاصة بين الرجلين في فترة شهدت تصاعد التوترات المتعلقة بقمع المعارضين السعوديين، ومن بينهم الصحفي جمال خاشقجي الذي قُتل داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018. وتقول المجلة إن المخاوف بلغت حداً دفع بعض المسؤولين الأمنيين إلى التحفظ على منح كوشنر تصريحاً أمنياً رفيع المستوى بسبب مخاطر النفوذ الأجنبي المحتملة، إلا أن ترامب تدخل ومنحه التصريح رغم تلك الاعتراضات.ولا تتوقف القصة عند “السعودية”. فالمجلة ترى أن النجاح السعودي في بناء علاقة مؤثرة مع كوشنر شجع دولاً خليجية أخرى على اتباع النهج نفسه. وتشير إلى أن الإمارات العربية المتحدة كانت من أوائل الدول التي سعت إلى تطوير علاقات وثيقة مع كوشنر خلال ولاية ترامب الأولى، وأنها شاركت لاحقاً في تمويل صندوق “أفينيتي بارتنرز”. كما استثمرت شركات مرتبطة بالإمارات مبالغ كبيرة في الصندوق، إلى جانب استثمارات قطرية ضخمة. ووفقاً للتحقيق، تجاوزت الاستثمارات القادمة من الإمارات وقطر وحدهما 1.5 مليار دولار، ما ساهم في رفع قيمة الأصول التي يديرها الصندوق إلى أكثر من ستة مليارات دولار، ووفّر لكوشنر وشركائه عشرات الملايين من الدولارات كرسوم إدارة. وتعتبر المجلة أن المشكلة لا تقتصر على حجم الأموال فقط، بل تتعلق أيضاً بطبيعة العقود الموقعة مع هذه الصناديق السيادية. فبعض البنود تمنح المستثمرين الخليجيين القدرة على سحب أموالهم بعد فترة زمنية محددة، الأمر الذي يمنحهم، بحسب المجلة، نفوذاً هائلاً على مستقبل كوشنر المالي، وبالتالي على موقعه السياسي.أما قطر، فتحتل مساحة واسعة من التحقيق بسبب ما تعتبره المجلة مثالاً واضحاً على تداخل المصالح الخاصة مع السياسات العامة. فخلال السنوات الأولى من إدارة ترامب، كانت شركة عائلة كوشنر تواجه أزمة مالية مرتبطة بمشروع عقاري ضخم في نيويورك. وحاولت العائلة الحصول على تمويل من جهات قطرية للمساعدة في حل الأزمة، لكن المفاوضات لم تثمر عن اتفاق.وبعد فترة قصيرة، فرضت “السعودية” والإمارات ودول أخرى حصاراً على قطر في عام 2017. وتلفت المجلة إلى أن إدارة ترامب انحازت سريعاً إلى جانب الرياض وأبوظبي، فيما أثيرت تساؤلات داخل الأوساط الإعلامية والسياسية الأمريكية حول ما إذا كانت المصالح المالية لعائلة كوشنر لعبت أي دور في تشكيل هذا الموقف. ورغم أن التحقيق يؤكد عدم وجود دليل مباشر يربط بين الملفين، فإنه يشير إلى أن التسلسل الزمني للأحداث أثار الكثير من الشكوك، خاصة أن العلاقات الأمريكية القطرية تحسنت لاحقاً، وترافق ذلك مع تقدم مفاوضات أنقذت مشروع عائلة كوشنر العقاري من أزمته. وترى المجلة أن هذه الوقائع تعكس نمطاً متكرراً يتمثل في تلاشي الحدود بين المصالح الخاصة والمسؤوليات العامة لدى كوشنر. وتضيف أن حكام الخليج لم يكونوا وحدهم من أدركوا قيمة العلاقة مع صهر ترامب، بل إن أجهزة الاستخبارات الأمريكية نفسها خلصت خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي إلى أن مسؤولين من عدة دول ناقشوا سبل التأثير على كوشنر من خلال استغلال أوضاعه المالية المعقدة وقلة خبرته في السياسة الخارجية. لكن دول الخليج، بحسب التحقيق، كانت الأكثر نجاحاً في هذا المسار، لأنها امتلكت أداة فعالة تتمثل في الصناديق السيادية الضخمة القادرة على ضخ مليارات الدولارات في مشاريعه الاستثمارية. تقول المجلة إن عودة كوشنر إلى صدارة المشهد السياسي الأمريكي في ولاية ترامب الثانية جعلت هذه العلاقات أكثر إثارة للجدل. فالرجل الذي يدير أموالاً قادمة من “السعودية” والإمارات وقطر وجد نفسه مشاركاً في ملفات تمس المصالح الحيوية لهذه الدول، من المفاوضات مع إيران إلى ترتيبات الحرب في غزة والعلاقات الإقليمية الأوسع. وتنقل المجلة انتقادات لسياسيين أمريكيين اعتبروا أن ما حدث يمثل سابقة خطيرة، إذ لم يسبق لمسؤول أمريكي عمل على ملفات دولية حساسة أن يغادر منصبه ليؤسس شركة استثمارية تتلقى مليارات الدولارات من حكومات كان يتعامل معها رسمياً أثناء وجوده في السلطة. وفي خلاصة التحقيق، تقدم مجلة ماذر جونز صورة لعلاقة ترى أنها تتجاوز حدود الشراكة الاقتصادية التقليدية. فبالنسبة للمجلة، فإن قصة كوشنر مع محمد بن سلمان وبقية حكام الخليج ليست مجرد قصة استثمارات وصناديق ثروة سيادية، بل نموذج لعصر أصبحت فيه الثروة والنفوذ السياسي متداخلين بصورة غير مسبوقة، حيث تُستخدم الأموال لبناء شبكات تأثير عابرة للحدود، فيما يتحول مسؤولون سابقون إلى قنوات محتملة لخدمة مصالح أنظمة استبدادية تسعى إلى تعزيز نفوذها داخل الولايات المتحدة وصنع القرار الأمريكي.